ملا محمد مهدي النراقي
50
جامع السعادات
وبعثت إليه بأحدهما قبل أن يبلغ الآخر ، فخرج إلى الصلاة وهو مشتمل به ليس عليه غيره قد عقد طرفيه إلى عنقه فصلى كذلك " . وشدة زهد علي ( ع ) وتركه الدنيا أشهر من أن يحتاج إلى بيان وكذا من بعده من الأئمة الراشدين والأصحاب والتابعين وغيرهم من أكابر الدين وللسلف الصالحين ، حتى كان أحدهم بعيش خمسين سنة وستين لم يطوله ثوب ولم ينصب له قدر ولم يجعل بينه وبين الأرض شيئا ولا أمر من في بيته بصنعة طعام ، فعلى أطرافهم يقومون ووجوههم على الأرض يفترشون تجري دموعهم على خدودهم ويناجون ربهم في فكاك رقابهم من النار . وقد حكي أن بعض الخلفاء أرسل إلى بعضهم بعشرة آلاف درهم فلم يقبلها فشق ذلك على أهله ، فقال أتدرون ؟ ما مثلي ومثلكم إلا كمثل قوم كانت لهم بقرة يحرثون عليها فلما هرمت ذبحوها لينتفعوا بجلدها ، فكذلك أنتم أردتم ذبحي على كبر سني فموتوا جوعا خير لكم من أن تذبحوني . وقد بلغ بعضهم من الزهد بحيث يطلب لقيام الليل موضعا لا يصيبه نسيم الأسحار خيفة من الاستراحة به . وكان لبعضهم حب مكسور ، فيه ماؤه ، لا يرفعه من الشمس ويشرب الماء الحار ويقول من وجد لذة الماء البارد يشق عليه مفارقة الدنيا . فيا حبيبي أفق من سكر الهوى واعرف المضادة التي بين الآخرة والدنيا ، واقتد بالواقفين على جلية الحال والمطلعين على حقيقة المآل في المواظبة على الزهد والتقوى وفطام النفس عن لذائذ الدنيا ، فإن ذلك وإن كان شاقا فمدته قريبة ، والاحتماء مدة يسيرة للتنعم على التأييد لا يثقل على أهل المعرفة القاهرين أنفسهم بسياسة الشرع المبين المعتصمين بعروة اليقين بما وعد الله في الآخرة لعباده الزاهدين . فصل اعتبارات الزهد ودرجاته إعلم أن للزهد اعتبارات تتحقق له بكل اعتبار درجات : ( الأول ) اعتبار نفسه أي من حيث نفس الترك للدنيا وبهذا الاعتبار له درجات ثلاث : ( الأولى ) أن يزهد في الدنيا مع ميله إليها وحبه لها بأن